الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
22
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
نعم ، بالتدريج ينقص أحد الوقتين ( الليل والنهار ) ليضيف للآخر ، وتبعا لذلك يتغير طول النهار والليل في السنة ، وهذا التغير يكون مصحوبا بالفصول الأربعة في السنة مع كل البركات التي تكون مختصة في هذه الفصول لبني الإنسان . وهناك تفسير آخر لهذه الآية وهو : إن شروق وغروب الشمس لن يحدثا فجأة ودون مقدمات حتى لا تجلب هذه الحالة المشاكل للإنسان والموجودات الحية الأخرى ، بل يتم هذا التغيير بصورة تدريجية ، وتنتقل الموجودات رويدا رويدا من عالم الضوء في النهار إلى ظلمة الليل ، ومن ظلمة الليل إلى ضوء النهار ، ويعلن كل منهما وصولهما قبل مدة حتى يتهيأ الجميع لذلك . والجمع بين التفسيرين لمفهوم الآية ممكن أيضا . ويضيف سبحانه في النهاية : وهو عليم بذات الصدور . فكما أن أشعة الشمس الباعثة للحياة تنفذ في أعماق ظلمات الليل ، وتضئ كل مكان ، فإن الله عز وجل ينفذ كذلك في كل زوايا قلب وروح الإنسان ، ويطلع على كل أسراره . والنقطة الجديرة بالملاحظة في الآيات السابقة أن الحديث كان عن علم الله سبحانه بأعمالنا والله بصير عليم وهنا الكلام عن علم الله عز وجل بأفكارنا وعقائدنا وما تكنه صدورنا ، وهو عليم بذات الصدور . كلمة ( ذات ) في الاصطلاح الفلسفي تعني ( عين الشئ وحقيقته ) إلا أنها في اللغة بمعنى ( صاحب الشئ ) وبناء على هذا فإن ( ذات الصدور ) إشارة إلى النيات والاعتقادات التي استولت على قلوب البشر . وكم هو رائع أن يؤمن الإنسان بكل هذه الصفات الإلهية من أعماق نفسه ، ويحس حضوره سبحانه في كل أعماله ونياته وعقائده ، إحساسا لا يخرجه عن جادة الطاعة وطريق العبودية ، إحساسا يبعده عن طريق العصيان والسوء والانحراف . . * * *